السبت، 15 يوليو 2017

الذئب ... بقلم كمال عبد الله


الذئب....

يسكن أعماقي ذئب جريح لا يخرج إلا ليلاً ليتغذّى على الأحلام السرّية التي تحملني في غياهب أدغال النّفس الموحشة...تبدو الظّلال متناثرة هنا و هناك...ولا يوجد قمر فضيّ يلقي بنوره بين الأزقة المعتّمة...عندما أكون وحيداً في زنزانتي،أشعر بالذئب الجر
يح وهو يغادر وَجَرَهُ الأسود...أشعر به يتحرّك بين أحشائي و بين الصور القديمة التي تنتشر مع رائحة الشرّ التي تنبعث منه...هكذا تكون ليالي الصّمت السّوداء...يختفي فيها القمر الذي كان يشعرنا بأنّه هناكَ...!!!...خلف الخوف...!!!وخلف الوحشة...!!!...تسكن الأشياء الجميلة التي نحلم بها عندما نرى وردة تعانق ضياء عطرها...أو عندما نشعر بقلب حزين ينبض من أجل أن نراه...لكنّني لا أرى في هذه الليلة الموحشة سوى امتداداً لانتشار الذّئب الذي غادر وَجَرَهُ منذ قليل و اختفى داخل الأحراش السّوداء...تركتُ الأغنية التي كنتُ أستمعُ إليها تتردّد في هُدوء بين الوهادِ العميقة واتّجهت بصمت نحو ساحة الآلهة...مازالت بعض آثار الدّماء على المذبح الحجري الذي نحته ساحر القطيع من صخر البازالت...دماء حمراء...لزجة...منذ ليلتين، أعلن السّاحر بأنّ إله الظّلام سينتقم من كل القطيع إذا لم يُسْفَكْ دمٌ...عمّ الخوف وعمّت خيامُ الخُوصِ حركة غامضة...كنت خائفاً من النّوم ليلتها...أشعلت بعض الحطب وجلست أمام بيت الخيمة التي أسكنها أنتظر الفجر...لقد كان السّاحر صادقاً...فقد كانت أوراق أشجار الكاكاوْ تتحرّك من دون أن يكون هنالك أي حركة للنسيم أو للرّيح أو لأي شيء آخر...ليس هنالك قمر...ليس هنالك نجوم...ليست هنالك سماء...لقد اختفى كلّ شيء...لقد كان ساحر القبيلة على حق...أتبيّن في عمق السّواد الغامض ارتعاشة فسفورية...نقطتان من الضوء الأصفر...هناك بين أعواد الخوص التي يصنع منها القطيع خباءه...يتمكّن منّي الخوف البدائي، فلا أستطيع تحريك يدي...أفكّر في الصّلاة أدرأ الخوف عن قلبي و عن أحشائي ولكنّي لا أشعر بوجود الله في أي مكان...لقد اختفت أصنام آلهتنا أيضا...أخفى الظّلام كلّ شيء....عندما اقتربت منّي العينان الصّفراوان، رأيت خلف استدارتهما وجهاً يعرفني جيّدا.ً..وأعرفه جيّداً أيضاً...لم أستطع الحركة...كنت أريد الدّخول إلى خيمتي في ما كان الذّئب الأسود يقترب منّي...إنّها المرّة الأولى التي أراه فيها خارج رأسي...كان بشعاً جدّاً...وعلى الرّغم من أنيابه المكشّرة التي كانت تقطر لعاباً لزجاً فقد كانت بشاعته جميلة...لا أستطيع منع نفسي من التّفكير في القربان الذي سوف يتركه القطيع على صخرة المذبح إلى أن يأتي إله الظّلام فيأخذه...ستكون امرأة...هكذا يحصل دائماً...سوف تتمدّد فوق صخرة المذبح...وسوف يعمّدها السّاحر ببعض الكلام الإلهي في لغة لا تعرفها غير الآلهة...ومع ظهور أوّل خيط للقمر الذي لن يظهر إلا متى وُضعت المرأة على مذبح القرابين، سيبدأ أفراد القطيع-العشيرة في الرّقص حول جسدها...أشعر بلسان الذّئب الأسود يتحرّك فوق وجهي وأشعر بأنيابه وهي تقترب من فمي...لم تكن رائحة فمه كريهة...ولم أكن أستطيع التحرّك...شيء لزج ينساب فوق وجهي...وفجأة أشعر ببعض البرودة التي تجتاحني...يبدو أنّ لسان الذئب الأسود قد ابتعد عن وجهي...لقد اتجه نحو الأدغال مرة أخرى...أفكّر بالدخول إلى الخيمة والاحتماء بها من هذا الخوف الذي تمكّن منّي و لكنّ الذئب يتوقّف فجأة ويلتفت نحوي...كأنّه يدعوني للّحاق به...كان الظّلام مخيّماً على الخيام المنتشرة هنا و هناك...يسود ترقّب قاتل...لن يعرف أحد من ستكون القربان الذي تريده الآلهة...يقول السّاحر بأن المرأة التي سوف تختارها الآلهة تعود مرّة أخرى على شكل ذئب دموي لا يفكّر بغير الانتقام من الذين يحبّهم...ويقول السّاحر بأن إرادة الآلهة تقول أيضا بأنّ أصل المرأة حلم...وبأن أصل الذئب امرأة...تدفعني قوّة داخلية عميقة إلى اللحاق بالذئب الأسود...ومن دون أن أقدر على التحكّم في حركتي، وجدت نفسي أقف ثم أسير باتجاهه...يبدو وكأن مذبح الصّخرة قد كان في مكانه هذا من قبل وجود الآلهة...كانت الدّماء تغطي كلّ أرجائه...يقف الذّئب الأسود أمام المذبح ثمّ يلتفت إليْ...كانت أنيابه عارية وبدت نظراته الفسفورية حاسمة جداً...وقبل أن أستطيع التحرّك، وجدت نفسي مشدوداً إلى مذبح الصّخرة...أحاول الصّراخ و لكن الكلمات تتجمّد على شفتي...أشعر بأنياب الذئب وهي تخترق لحم صدري...وأشعر بأنّني أمضي في حالة من الخدر اللّذيذ الدافئ...لم يحدث أن رأيت الذئب الأسود خارج رأسي...لقد كان دائماً يسكن أحلامي ولم يكن يغادرها إلا ليعود إليها...يقترب منّي مرّة أخرى...ومرة أخرى تنغرس أنيابه في لحمي...أختفي شيئاً فشيئاً من ذاكرتي...لم أعد أشعر بغير أنياب الذئب الأسود وهي تخترق لحمي...

كمال عبد الله...تونس...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ناطرين بكرا تا يجي ... بقلم جميلة نيال

ناطرين بكرا تا يجي ناطرين بكرا تا يجي يطوي بحنانه المسأله و يا ريت بشويِّة أمل معهم كمان بنفسجه يمكن نغني بليلنا و يمكن ن...